الأحد 18 ربيع الأول / 24 أكتوبر 2021
 / 
04:02 ص بتوقيت الدوحة

القدس نقطة التقاء المشرق الإسلامي

أحمد حسن الشرقاوي
الأمم والشعوب -مثل الأفراد- تتعرض للوهن والضعف وتصاب بالمرض، تعيش فترات شباب وفتوة وقوة، كما تعيش فترات ضعف وانحلال، وربما انهيار وزوال.
هذه سنة من سنن الله -سبحانه وتعالى- فى كونه، وفي خلقه، والتاريخ خير شاهد على ما نقول.
كتب أنتوني إيدن رئيس الوزراء البريطاني «1955-1957» في مذكراته عن لقاء نادر جمعه بجمال عبدالناصر، عندما كان إيدن وزيراً للخارجية، وقبيل توليه رئاسة الوزراء في بلاده، وتحدث ناصر في هذا اللقاء عن فكرة القومية العربية أمام إيدن، الذي درس اللغات وتاريخ المشرق الإسلامي بجامعة أوكسفورد العريقة، ويتحدث العربية والفارسية والتركية بطلاقة.
جمال عبدالناصر -كما روى محمد حسنين هيكل فى كتابه: «ملفات السويس-حرب الثلاثين عاماً» في طبعته الإنجليزية- يقول: إن ناصر استفاض في الحديث عن القومية العربية التي تجمع شعوب المنطقة، بينما كان إيدن ينصت باهتمام، ثم سأل إيدن جمال عبدالناصر: هل تعرف عدد اللغات في المنطقة، وكم عرقاً وطائفة في بلدان المنطقة، وهل لدى ناصر وزملائه من الضباط معرفة عميقة بتاريخ العلاقات بين تلك الطوائف والشعوب واللغات المختلفة؟!
ويؤكد هيكل في كتابه أن كيمياء الانسجام بين ناصر وإيدن لم تكن على ما يرام، وأن أسلوب الحوار انجرف إلى لغة حادة وكلمات عدائية، عندما انبرى ناصر للحديث عن رغبة القاهرة في تحقيق الوحدة العربية وآمال الشعوب العربية التي ترتبط بقوميتها ولغتها، وهنا حاول إيدن -الأرستقراطي المثقف كما كان يطلق عليه- تخفيف نبرة الحوار بالقول: إن دراساته فى جامعة أوكسفورد، وإجادته لثلاث لغات شرق أوسطية، تؤكد جميعاً أن الرابط الوحيد الأقوى على الإطلاق بين شعوب المنطقة، ليس القومية العربية، ولا اللغة الواحدة، ولا حتى المصير المشترك، بل إنه الدين الإسلامي الذي وحد بين كل هذا «الموزاييك» العرقي والطائفي واللغوي في نسيج واحد، صنع أمة استطاعت أن تمتد حدودها من الصين شرقاً إلى المغرب غرباً.
وبدا أن عبدالناصر لم يقتنع بما قاله إيدن، وازداد التباعد بين مواقف الرجلين، حتي تواجها في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، والذي شاركت فيه بريطانيا إلى جانب فرنسا وإسرائيل، وكان سبباً مباشراً في استقالة أنتوني إيدن، واعتزاله العمل السياسي، خصوصاً بعد تدهور حالته الصحية.
المهم، أن فكرة الأمة لا تزال تراود عقول المثقفين العرب، بعضهم يعتبرها فقط أمة عربية، وآخرون يرونها أمة إسلامية، تضم العرب وغير العرب تحت راية الدين الإسلامي.
وسواء كانت أمتنا عربية أو إسلامية أو «عربية إسلامية» في آن واحد، فإنها تصاب بالوهن والضعف، كما تصاب الأجساد البشرية بالمرض والهزال.
ويثبت التاريخ أن التحديات التي واجهتها الأمة كانت بمثابة «المصل» الذي حقن جسدها بفيروسات ساعدت الجهاز المناعي لخلق الأجسام المضادة، التي تحقق فكرة «الحصانة» ضد هذا المرض وتلك التحديات.
هذه هي فكرة تطعيم أطفالنا في الصغر ضد الأمراض مثل الحصبة وشلل الأطفال والجدري وغيرها من الأمراض، المصل ليس سوى فيروسات المرض ضعيفة أو ميتة، التي تحفز الأجساد البشرية على تكوين المناعة اللازمة لهزيمة تلك الفيروسات طوال العمر.
تقديري أن حصار قطر ساهم في زيادة مناعتها واستقلال قرارها، وإعلان ترمب اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني اللقيط سيساهم في تحفيز جسد الأمة العربية والإسلامية لخلق الأجسام المضادة، وزيادة مناعة الأمة فى مواجهة أعدائها، وإن غداً لناظره قريب.