الأحد 23 ربيع الثاني / 28 نوفمبر 2021
 / 
08:40 م بتوقيت الدوحة

مفهوم الشركات الناشئة

مبارك الخيارين

هناك خلط واضح بين مصطلحات رجل الأعمال (الرائد) ورجل الأعمال (التاجر)، مما يجعل الحديث متداخلا وغير واضح، فعند الحديث عن ريادة الأعمال، فإننا قد نتحدث عن التجارة العادية ونحن لا ندري والعكس، ولذلك وللفصل بينهما فإن الشركات الناشئة يكون أصحابها رواد أعمال، بينما الشركات الصغيرة والمتوسطة يكون أصحابها تجاراً تقليديين. 
ان الشركات الصغيرة والمتوسطة تصنف وفقا (للإيرادات) السنوية، تكون فيه قيمة الشركات الصغيرة بين 1-20 مليون إيرادات سنوية، والشركات المتوسطة بين 20-100 مليون، وهذا التعريف جاء وفقا لقرار وزير الاقتصاد والتجارة رقم (250) لسنة 2018، بشأن إصدار تعميم حول تعريف المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والتي تتبع نموذج عمل ثابتاً قد تبقى فيه بنفس الحجم فترة طويلة جدا داخل حدود جغرافية معينة، قد تتوسع هذه الشركات لكنها في ذات الوقت تحتكر جزءاً من السوق وتعمل على تشبعه، مما يحرم الشركات الأخرى دخول السوق وجني أرباحه. أما الشركات الناشئة فهي التي (تخلق) أسواقاً ومنتجات جديدة و(توسع) نطاق هذه الأسواق لدخول شركات أخرى فيها لتبني هذه الأسواق وتزدهر داخليا وخارجيا، وهذه الشركات الناشئة هي التي تشكل أقوى جزء في القطاع الخاص وهو الجزء المصدر أو الشركات المصدرة والتي (تعيد) بناء القطاع الخاص وتدعم الحكومة في حالات الأزمات، وذلك لأن قوتها لا ترتبط بضعف الحكومة من عدمه إذا نزلت أسعار النفط أو تضخم معيشتها، بل على تصديرها وأسواقها الخارجية، فهي لذلك بعيدة نوعا ما عن الأزمات الداخلية التي قد تضعف القطاع الخاص المعتمد على مشتريات الحكومة فقط، والتي تضعف إذا نزل سعر النفط.
تهتم الدول بريادةِ الأعمال والشركات الناشئة، حيث تعمل على رفع مركزها في مؤشر الريادة العالمي من خلال عناصر سهولة التأسيس وسهولة الوصول للفرص وقلة العوائق القانونية والتشريعية والتنظيمية فيها. تتكون البنية التحتية للشركات الناشئة في الدول من الحاضنات والمنصات التمويلية وبورصة الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة، وهي بالترتيب حسب نمو الفكرة تكون كالآتي: 
١- حاضنات لتطوير الفكرة إلى نموذج اختبار للتأكد من أن الفكرة تعمل فنياً، ومثال ذلك برنامج نجوم العلوم. 
٢- حاضنات لتحويل النموذج الفني إلى نموذج تجاري، مثال الحاضنة الرقمية في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. 
٣- منصات تمويل ومسرعات أعمال أو الجولات الاستثمارية التي تقودها البنوك أو المؤسسات التمويلية لجمع المال لصالح أحد الشركات الناشئة، مثل ما حدث مع شركة سنونو التي جمعت عن طريق بنك قطر للتنمية ١٧ مليون ريال في جولتها الأولى. 
من جانب آخر، إذا أخذنا مثال قطر، نجد أن البنية التحتية للشركات الناشئة في قطر غطت مجالات متعددة منها المجال العلمي من خلال برنامج (تحويل البحوث إلى شركات ناشئة) في واحة العلوم، والذي ربط بين البحث العلمي والشركات الممولة لهذا البحث، وكذلك المجال الرقمي، ممثلا في الحاضنة الرقمية ومشروع «تسمو» اللذين يركزان على الأفكار التقنية العامة وكيفية تحويلها لمشاريع وشركات قائمة، ومركز التكنولوجيا المالية من بنك التنمية والبنك المركزي اللذين يهتمان بالتكنولوجيا المالية ورعاية الشركات الناشئة من مختلف دول العالم، بالإضافة إلى الجانب التجاري الذي تغطيه مبادرة غرفة التجارة (معا)، وأخيراً منصة التمويل المتمثلة في بورصة الشركات الناشئة (صغيرة متوسطة) التي تم إطلاقها في ١/‏٤/‏٢٠٢١ بإدراج شركتين محليتين هما الفالح للشؤون التعليمية وشركة مقدام لتقنية المعلومات. 
من الأمثلة الواقعِية لريادةِ الأعمال إقليميا شركة طلبات التي تأسست 2004 في الكويت بفكرة توصيل أونلاين ونمت من 50 ألف ريال إلى 500 مليون ريال، من ‏خلال أربع استحواذات متتالية كويتية وسعودية والمانية، وشركة مكتوب التي تم الاستحواذ عليها بواسطة Yahoo بقيمة 360 مليون ريال، ومن الأمثلة العالمية للريادة شركات جوجل، وستارباكس، وماكدونالدز، وذلك لأنها ابتكرت مفهوم ستاربكس الجديد المتمثل في ‏جعل كوفي Starbucks هو المكان الثالث بعد البيت والعمل، و‏ابتكار خدمة ماكدونالدز ‏الجديدة والتي تهتم في السرعة والنظافة والجودة والسعر المناسب، و‏كذلك شركة Google التي ابتكر الوسيلة التي استطاع فيها الناس الوصول إلى البيانات بمنتهى السهولة والنظام. 
‏من خلال النظر إلى كيفية توسع هذه الشركات عالميا، يمكننا الاستفادة من خطواتها التوسعية بالنظر إلى البيئات التي انطلقت منها ‏والأدوات التي استفادت منها في الدول الحاضنة أو الأم، فلقد تم طرح هذه الشركات في البورصة بعد ٢٠ سنة كشركة ستاربكس، وبعد 10 سنوات كشركة ماكدونالدز، وبعد 6 سنوات كشركة جوجل، وبعد 8 سنوات كشركة فيسبوك، ‏وهذا يعطي مؤشراً لعدم الاستعجال في طرح الشركات الناشئة في البورصة.
من الخرافات الشهيرة عن رواد الأعمال ‏أنهم لابد أن يأتوا بفكرة جديدة لم توجد من قبل، ‏وهذا خطأ كبير لأن معظم الشركات الكبيرة جاءت من أفكار معدلة، وليس جديدة بالمعنى الكامل، ‏فشركة Uber جاءت بتسهيل خدمة التاكسي وليس ابتكار الخدمة من العدم وهكذا. 
‏ مساهمة الشركات الناشئة في الناتج المحلي في أي دولة هي في بالغ الأهمية لأن الشركات الناشئة ‏هي الجزء المهم في القطاع الخاص. تبلغ مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي القطري 13 %، وأتصور أن الشركات الناشئة مساهمتها بسيطة جدا، وذلك للفوارق التي ذكرت، وإن نسبة الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الغالبة على الشركات الناشئة الحقيقية. 
أخيراً، أرجو أن تكون المفاهيم قد اتضحت حول الشركات الناشئة بشكل جيد يجعلنا نميز حقيقة وجودها ومساهمتها.